بقلم فريق سعودي سوفت للتوطين — خبراء في الترجمة والتوطين لأكثر من 40 عامًا، يساعدون العلامات التجارية العالمية على النجاح في الأسواق المحلية.

 

هل تخيّلت يومًا كيف يمكن لفيلم أُنتج في قارة بعيدة، وبلغةٍ غريبة، أن يصبح فجأة ضمن قائمة أفلامك المفضلة؟

الإجابة لا تكمن في «الترجمة» وحدها، بل في مستوى أعمق بكثير، وهو التوطين؛ ففي عالمٍ لم تعد فيه الحدود الجغرافية عائقًا، أصبحت القدرة على مخاطبة الجمهور بلغته وثقافته هي الفارق الحقيقي الذي يترك أثرًا، ويجعله يختارك، حتى إن لم تكن لغتك هي لغته الأساسية.

وهنا يبرز سؤال مهم: كيف استطاعت بعض الشركات أن تتجاوز مجرد الترجمة لتبني حضورًا عالميًا حقيقيًا؟ وكيف تحوّل التوطين إلى أحد أسرار التفوق في الأسواق الدولية؟

في هذه المقالة، نستعرض تجربة «نتفليكس»، وكيف نجحت في توظيف التوطين كأداة استراتيجية للوصول إلى جمهور عالم، مما ساهم في  تحولها منصة أمريكية إلى ظاهرة عالمية تتفوق حتى على البدلاء المحليين لأي سوق؟

أول خدمة لتوصيل الأقراص إلى المنازل دون غرامات تأخير

في عام 1997، قرر ريد هاستينغز ومارك راندولف تأسيس خدمة لتأجير أقراص الفيديو (DVD)، وذلك بعد اضطرار “ريد” لدفع غرامة تأخير لأحد متاجر الفيديو عند تأخره في إعادة الشريط، مما دفعه للتفكير في إيجاد حل لمشكلة تأجير الشرائط. توصّل المؤسسان إلى فكرة تأجير الأقراص عبر البريد الإلكتروني؛ حيث قاما في البداية بإرسال الأقراص إلى نفسيهما لاختبار الفكرة، وعندما وصلت سليمة، شرعا في تنفيذها فعليًا، ليقدما بذلك بديلًا مبتكرًا للمتاجر التقليدية دون فرض رسوم تأخير.

تم إنشاء الموقع الإلكتروني الخاص بنتفليكس بعد عام، وفي 14 أبريل 1998 أُطلق الموقع رسميًا، حيث أصبح بإمكان المستخدمين طلب الأقراص عبر البريد ودفع رسوم الإيجار، تطور النموذج لاحقًا إلى نظام الاشتراك الشهري، الذي يتيح استئجار عدد غير محدود من الأقراص، وهو ما لاقى رواجًا كبيرًا؛ إذ أصبح بإمكان المستخدمين تأجير عدد غير محدود من الأفلام مع خدمة التوصيل إلى المنازل.

 

التحول من تأجير الأقراص إلى البث الرقمي والأسواق العالمية

مع تسارع التحول الرقمي وانتشار خدمات البث، بدأت “نتفليكس” في تقديم خدمات البث عبر الإنترنت، وفي عام 2007 أطلقت منصتها الخاصة التي أتاحت مشاهدة مجموعة من الأفلام والمسلسلات عبر أجهزة الحاسوب. بعد تحقيق أهدافها في السوق الأمريكي، اتجهت نحو التوسع في الأسواق العالمية؛ ففي عام 2010 أطلقت خدماتها في كندا وذلك لتشابه السوقين الأمريكي والكندي واعتماد اللغة الإنجليزية كلغة أساسية؛ مما جعلها أقرب إلى السوق الأمريكي، وقد أثبتت نجاحها في كندا حيث بلغ عدد المستخدمين في كندا 5.8 مليون مستخدم بحلول عام 2014.

ساعد نجاح “نتفليكس” في كندا على توسعها في عدة دول، ففي عام 2011 بدأت خدمات البث في أمريكا اللاتينية، ثم توسعت لاحقًا إلى أوروبا وآسيا، مع التركيز على الاستثمار في المحتوى المحلي وتبني التنوع الثقافي.

اتجهت “نتفليكس” بعد ذلك إلى إنتاج المحتوى الأصلي الخاص بها، حيث أنتجت مسلسل “House of Cards” عام 2013، والذي يُعد أول عمل من إنتاج منصة رقمية يفوز بجوائز “إيمي”، مما شجعها على التوسع في عدة دول في أمريكا اللاتينية، أوروبا وآسيا، إلى جانب الاستثمار في المحتوى المحلي ومراعاة الاختلاف الثقافي، وقد ساهم هذا في تحقيق أرباح كبيرة في هذه الأسواق.

 

كيف ساهم التوطين في نجاح نتفليكس عالميًا؟

 

  • إنتاج المحتوى المحلي ومراعاة الفروق الثقافية
  • تكييف التصميم وواجهة المستخدم
  • الدبلجة الاحترافية بأصوات محلية
  • استراتيجيات تسويق مخصصة لكل سوق

 

إنتاج المحتوى المحلي ومراعاة الفروق الثقافية

اعتمدت الشركة على عدة استراتيجيات للتوطين ساهمت في دخولها ونجاحها في الأسواق المختلفة، من أبرزها الاهتمام بالمحتوى المحلي، الذي ساعد في تحسين تجربة المستخدم وتعزيز الشعور بالألفة أثناء المشاهدة؛ ففي ألمانيا، ساهم مسلسل “Dark” كأول عمل أصلي باللغة الألمانية في زيادة عدد المشتركين في أوروبا، كما حقق مسلسل “لعبة الحبار” في كوريا نجاحًا عالميًا واسعًا، وتمت ترجمته إلى عدة لغات لاحقًا. وفي اليابان، ركزت “نتفليكس” على إنتاج الأنمي والمحتوى المرتبط بالجمهور المحلي، مما ساهم في جذب مزيد من المشتركين، أما في الشرق الأوسط، فقد أنتجت أعمالًا تتلاءم مع ثقافة المجتمعات العربية، مثل “ما وراء الطبيعة” و”الكاتب” و”كتالوج” وغيرها.

 

تكييف التصميم وواجهة المستخدم

لم يقتصر اهتمام “نتفليكس” على ترجمة المحتوى إلى لغات متعددة فحسب، بل امتد ليشمل واجهات المستخدم، ومن أبرز التحديات التي واجهتها مشكلة “تمدد النص” بين اللغات المختلفة، حيث يؤدي اختلاف طول النصوص بين اللغات إلى تأثيرات متباينة على التصميم وتجربة المستخدم، وقد تغلبت الشركة على ذلك من خلال تصور النصوص بعد ترجمتها وتهيئة الواجهات بما يتناسب مع كل لغة، خاصة في اللغات التي تُكتب من اليمين إلى اليسار أو العكس. كما تم توطين العناصر المرئية بما يتلاءم مع ثقافة السوق المستهدف وذوق المشاهدين؛ فقد تُستخدم صور مختلفة لنفس العمل بحسب اللغة أو المنطقة.

 

فن الدبلجة

ساهم اهتمام “نتفليكس” بالدبلجة في دخولها إلى أسواق متعددة، حيث تساعد الأصوات المحلية في نقل القصة بشكل أكثر واقعية، وسد الفجوات الثقافية التي قد تؤثر على تجربة المستخدم، كما تسهم في جذب جمهور يفضل المحتوى بلغته الأم أو يواجه صعوبات في القراءة، إضافة إلى تعزيز شعور المستخدم بالانتماء للمنصة، حيث تمنحه تجربة مشاهدة أكثر تخصيصًا بغض النظر عن اللغة الأصلية للمحتوى.

 

استراتيجيات التسويق المخصصة

اعتمدت “نتفليكس” على استراتيجيات تسويق متنوعة ومخصصة لكل سوق، من خلال تقديم محتوى مناسب ومخصص عبر منصات التواصل الاجتماعي، إلى جانب التسويق عبر البريد الإلكتروني، الذي يُعد من أكثر الوسائل فاعلية لديها، حيث يتم من خلاله الإعلان عن أحدث الأعمال والعروض، وتشجيع المستخدمين على إعادة الاشتراك. كما أولت اهتمامًا كبيرًا بتحسين محركات البحث في مختلف الدول، لضمان الظهور في النتائج الأولى للمحركات بلغات متعددة.

 

نتفليكس بالأرقام

  • 8 مليون مستخدم في كندا بحلول عام 2014
  • House of Cards (2013): أول عمل من إنتاج منصة رقمية يفوز بجوائز إيمي
  • 192 دولة تقدّم فيها نتفليكس خدماتها اليوم
  • نحو 325 مليون مشترك حول العالم في بداية عام 2026

 

الترجمة والتعريب الصحيحان طريقك للنمو العالمي

قدمت “نتفليكس” نموذجًا ناجحًا في التوسع عبر الأسواق المختلفة واللغات المتعددة، حيث شكّلت الترجمة والتوطين حجر الأساس لانطلاقها خارج السوق الأمريكي، مما ساهم في زيادة عدد المشاهدين حول العالم. اليوم تقدم “نتفليكس” خدمات البث في 192 دولة كواحدة من أكبر منصات البث العالمية، بعدد مشتركين نحو 325 مليون مشترك نحو في بداية عام 2026 ، وهو ما يعكس نجاح استراتيجيات التوطين في جذب المزيد من المستخدمين.

ويؤكد ذلك أن دخول الأسواق العالمية لا يعتمد على الترجمة فقط، بل يتطلب توطينًا لثقافة الجمهور المستهدف وتفضيلاته.

 

الأسئلة الشائعة FAQ

 

ما الفرق بين الترجمة والتوطين؟

الترجمة تقتصر على نقل النص من لغة إلى أخرى، بينما يذهب التوطين أبعد من ذلك ليشمل تكييف المحتوى والتصميم والصوت والتسويق بما يتناسب مع ثقافة كل سوق، وهو ما فعلته نتفليكس لتصبح ظاهرة عالمية.

كيف ساعدت الدبلجة نتفليكس في التوسع عالميًا؟

من خلال توفير أصوات محلية تنقل القصة بواقعية وتسدّ الفجوات الثقافية، ما جعل تجربة المشاهدة أكثر تخصيصًا لجمهور كل بلد بغض النظر عن اللغة الأصلية للمحتوى.

ما هو أول عمل أصلي لنتفليكس فاز بجائزة إيمي؟

كان مسلسل House of Cards عام 2013 أول عمل من إنتاج منصة رقمية يفوز بجوائز إيمي.

كم عدد الدول التي تقدّم فيها نتفليكس خدماتها حاليًا؟

تقدّم نتفليكس خدمات البث في 192 دولة، بعدد مشتركين يصل إلى نحو 325 مليون مشترك في بداية عام 2026.

لماذا تُعد واجهة المستخدم جزءًا أساسيًا من التوطين؟

لأن اختلاف طول النصوص بين اللغات يؤثر على التصميم، ولأن بعض اللغات تُكتب من اليمين إلى اليسار؛ لذا تعمل نتفليكس على تهيئة واجهاتها وعناصرها المرئية بما يتناسب مع كل سوق.

المصادر

للاطلاع على أحدث خدمات نتفليكس وتوسّعها العالمي، يمكن زيارة الموقع الرسمي لنتفليكس.

 

Omar Saeed

Marketing Manager

بصفتي مديرًا للتسويق الرقمي ملتزمًا بالتميز، أحرص على مواكبة أحدث التوجهات والابتكارات في هذا المجال، لضمان بقاء العلامات التجارية التي أعمل معها قادرة على المنافسة ومواكبة متطلبات سوق الخليج. أرحب دائمًا بالتواصل مع المهنيين ذوي التفكير المماثل، لذا لا تترددوا في التواصل معي عبر لينكدإن لاستكشاف فرص التعاون أو مناقشة التطورات المتسارعة في مجال التسويق الرقمي في منطقة الخليج.

Google Ads Expert
16 article(s) publishedMarketing, Branding, Performance Marketing, Content Marketing
Reviewed by